الثلاثاء، 10 يونيو 2008

الأماكن التي تحلم


كثيرا ما وقفت أمام النافذة أو الجدار وفكرت بالمساحات الكبيرة التي تنتظر عبور خطواتي عليها..كثيرا ما قلت لنفسي المكان له ذاكرة تماما كالإنسان... كثيرا ما فكرت بالشوارع وخطواتي التي أرفض الظن انها تذوي كما صوتي الذي اطلقته يوما ليقول ما لم اجرؤ على قوله في يوم من الأيام.... هنا أريد ان اتساءل ماذا يشكل المكان بالنسبة للشاعر او الكاتب ؟؟؟ هناك كتابات كثيرة يشكل المكان جزءا منها بل اهم ما فيها... المكان يصبح ذا سطوة أكبر من الحدث في بعض انواع الكتابة.. لكن عن أي الاماكن نتحدث ؟؟؟أقف امام البحر فتغرقني الكلمات... أمام البحر استطيع كشف أدق تفاصيل الروح.. قلت يوما لنفسي لو اتيح لي تدوين كل ما قلته للبحر لأصبحت من اكثر الكاتبات غزارة وعمقا !ّ لكن ما ان ابتعد عن البحر حتى اشعر بأن المكان ينغلق والروح تتكتم على انفاسها الحرة..قد يكون للبحر دائما هذا القدر من الإيحاء لكثير من الكتاب كمساحة من الحياة شاسعة وممتدة في ذات الوقت متصلة وواصلة السماء بالأرض... لكن ماذا عن الأماكن الأخرى ؟؟ماذا عن الصحراء ؟؟؟ ألا تشكل عمقا غزيرا في روح الكتاب ؟؟ وفضاءً للكتابة جميل ؟؟؟باغتي احد الأصدقاء بسؤال أو هي ملاحظة اقرب منها للسؤال عندما قرأ نصا لا اذكر انني نشرته في أي مكان لكني ارسلته كرسالة لعدة اصدقاء منذ سنوات كثيرة ... قال : الصحراء والبحر .. ألانك تعيشين في الخليج ؟؟ ماذا عن الأخضر ؟؟؟ الصديق يعيش في فلسطين وتحديدا في رام الله في بلادنا الجميلة التي استطيع ان اقول عنها انها الجنة التي أريد الموت والحياة فيها... في ذلك اليوم فكرت حقا لماذا دائما البحر والصحراء ؟؟؟ وماذا عن الأخضر ؟؟؟ رغم أنني كنت دائما أغيب عن الرتابة بفتح الحائط والتجول في حقول خضراء على فرس تنطلق إلى الغيم ولا تعود ... لماذا لا يحضر الأخضر ببهائه وجمالة ؟؟ فإن حضر كان (شجرة أو اشجار) والأشجار التي اعنيها والتي تظهر في كتاباتي لا تمثل الأخضر ولكنها تمثل بالنسبة لي انتماء للاصل..فأنا اشعر بأنني كنت شجرة في يوم من الأيام او على الاقل لدي ذاكرة شجرة أو مستقبلها...في الصيف ارقب اشجار النخيل وثمارها فتنسكب فيّ روعتها وأشعر أن المكان يستطيع أن يعيد تشكيل نفسه في روحي ويمتد فيها بدلال كبير...وإن لم اكتب من وحي ذلك المشهد لكن انسكابه في روحي وتجوله في ظلالها يجعلني اشعر بالنشوة فإن ظهر الشجن في كتاباتي فهو نخلة تهز جذعها حنوا على امرأة تنجب نبيا... لا تظهر الشجرة ولا المراة ولا النبي لكن تظهر الحركة الحانية لجذع في الهواء ....إذا للمكان تأثير عميق على الكاتب والكتابة حتى وإن لم يكن بشكل مباشر..نستطيع أن نتذكر الكثير من الاعمال الأدبية التي نبعت من المكان على وجه التحديد ... بعض الشعراء والكتاب كان لزياراتهم للاماكن تأثيرا مباشرا على كتاباهم واعمالهم الأدبية ... ترى هل للمكان أيضا قدرة على تحديد نوعية الكتابة ؟؟ عمقها ؟؟؟ صدقها ؟؟؟في كل مرة استعد فيها للسفر لمكان ما لم ازره سابقا اشعر بالحماس الشديد...اتساءل ماذا سيترك المكان في روحي من علامات... هل استطيع الكتابة عن المكان كما يليق به ؟؟؟إذا لماذا لم استطع إلى الان التحدث عن القدس ؟؟؟؟ ألانها جرحا نازفا ؟؟ كحبيب التقيته وامتنعت عن الجري إليه ومعانقته وامطاره بالشوق الذي تكدس في روحي حتى بات لا يحتمل ؟؟؟ ربما هذا ما حدث... عندما التقيت بالقدس لم استطع الكتابة لفترة طويلة ولكني كنت اسير معها وانا احمل في روحي شوقا رهيبا ورغبة عارمة بالعناق ومع ذلك شعرت وكأنني نبت فيها شجرة منذ بداية الخليقة لم اشعر بأننا لم نلتق سوى مرة واحدة وأن التحامنا حديث عهد... لم يستطع قلمي أن يقول ما كان يقوله قبل اللقاء ... نعم هذا ما حصل وما زال ... القدس من أكثر الأماكن واعمقها التي زارت روحي وتفحصت خلاياها ولكنها لم تخرج كلمات لأن ما تركته في روحي اكبر من ان يقال... ومع ذلك استطيع ان اراها في كثير من الكلمات ...***الأماكن لها ذاكرة ولها روح... ولها ملامح هذا ما خلصت منه من زيارتي لعدد من العواصم والكاتب يحمل في روحه انتماءً لها... لترابها كون تراب الأماكن وتراب الجسد قدا من نبع واحد... ويحمل حبا لا يستطيع التخلص منه كون الأماكن تتلبس حروفه وخياله وحتى ثقافته ....

ليست هناك تعليقات: